لكي لا يكون ما نكتبه عن الرثاثة هو نفسه رثاً

المقاله تحت باب  مقالات فنيه
في 
13/11/2014 06:00 AM
GMT



اتصل بي دكتور أكاديمي اعتز به و سألني أن أشارك بموضوع في كتابٍ عن الرثاثة يقوم بتحريره و تنسيق مواضيعه واحدٌ من كتابنا الأكاديميين، حتى إذا ما قضيت ردحا من وقتي فيه و اكتمل ثم أرسلته، تلقيت من المسئول عن التحرير جوابا قصيرا استشفيت منه انه سيقوم بمراجعة موضوعي، شعرت بعدم الارتياح لتجارب قديمة غير مريحة، ما لبثت بعدها أن طردت وساوسي، ثم شاغلتني الأيام عن الموضوع فكدت أنساه، حتى تلقيت منه بعد شهور رسالة على بريدي الالكتروني يقول فيها انه قد أعاد كتابة الموضوع و أرسله لي كمرفق، و أوضح لي انه قام بما يلي: 1/ حذف المقدمة 2/ إعادة تنظيم النقاط و الفواصل و التبويب 3/ حذف الفصل الخاص برثاثة المثقف و السياسي 4/ ربط الأفكار غير المترابطة 5/ اختصار ما كتبته عن "الراية البيضا" "لكي لا يخرج النص عن الإطار العراقي"!! 6/ حذف المادة الخاصة بالشعر و القصة 7/ يكتب لي أخيرا انه قدم لي مقترحات لوضع بعض الإضافات و قد لونها باللون الوردي لكي لا تفوتني! على أنه لم ينس أن يكتب لي متوقعا تفهمي "لمثل هذه الضرورات"!!
لم افتح المرفق لكي أرى كيف أصبح موضوعي، ثم كتبت له إنني من حيث المبدأ لا اقبل أي تعديل يقوم به كاتب آخر على موضوعي الا فيما يتعلق بخطأ نحوي أو طباعي و كمقترح، و أضفت " المقالات و البحوث بصمات فردية خاصة بكل كاتب و هو الذي يتحمل مسؤولية ما يرد فيها" ثم أخبرته بأنني اسحب موضوعي من الكتاب و سأقوم بنشره منفردا.
و لكنه لم يستسلم و كتب لي ضمن ما كتب" أحيطكم علماً أن مسألة الملاحظات والتعديلات قد تكررت مع كتّاب آخرين معروفين أرسلوا نصوصهم للمشاركة في الكتاب، وقد تقبّلوا الأمر".
في ما يتعلق بالنشاط الفكري لا يوجد بالنسبة لي ما هو أكثر استفزازا من قولةِ أن الآخرين قد قبلوا، فلماذا لا تقبل أنت؟ و هكذا وجدت نفسي اكتب له " وجود من وافقك من الكُتّاب فيما فعلتَ لا يعنيني ، فوجود مليار مدخن على كوكبنا لا يجعل التدخين عادة حميدة، كل كاتب يتبع الطريقة التي يراها، لا أحب أن أقلد أحدا و لا أدعو أحدا لتقليدي" و أضفت " إن تعديل نص من قبل كاتب آخر غير الكاتب نفسه يشبه الدخول إلى بيت دون إذن".
هنا أمسكت نفسي حقا عن أن أقول "السطو" بدلا من "الدخول". كان هذا سيكون أكثر انطباقا على واقع الحال و كان هذا سيجعل الجملة أقصر، لأنني سأكون عندها في غنىً عن عبارة "دون إذن".
في النهاية بادرت الى لغة المصالحة و كتبت له أن الموضوع ليس شخصيا، و لكنني لا ازال على موقفي "لن اشترك في كتاب مثل هذا"، ثم التقيته في مؤتمر عقد قبل ايام و تبادلنا التحيات.
لكن المصالحة لم تكن فكرية أبدا و لن تكون. فما كتبته من أن لديه "ميولا أبوية و رغبة في الوصاية" و من أنه "قد رد الاعتبار لمقص الرقيب في عصر المعلوماتية" لا يزال قائما وصحيحا و لا أزال متمسكا بما كتبت.
هذه الميول خطيرة جدا و مدمرة بالنسبة للزميل المشرف على الكتاب و بالنسبة للكتاب الذي سمحوا بأن تنتهك نصوصهم و تعدل. هذا النهج هو صناعة للتعسف على جانب و للتفريط بالبصمة الشخصية على الجانب الآخر و هو واحد من التمظهرات السلبية لحياتنا الفكرية. كانت ثمة في موضوعي إشارات استباقية لذلك و هو ما حاول "مقص الرقيب" حذفه.
و لكي لا أطيل، سيجد القارئ تفاصيل أخرى عن هذا في ثنايا الموضوع..

الرثاثة في الفن و التذوق
منير العبيدي
توطئة: لم اجد في المعاجم كلمة رثاثة. و المصدر للصفةِ رَثٌّ هو (الرِّثة) و ليس الرثاثة، و لكن بما ان اللغة هو اتفاق اجتماعي على مدلولٍ ما لكلمة منطوقة او مكتوبة، و بما أن الكُتّاب قد درجوا على الرثاثة بمعنى الرِّثة، فاننا سنستخدمها ايضا بهذا المعنى، اي نوع من الانحطاط و التدني فيما يخص الذوق و السلوك. 
الأساس الاجتماعي
في المجتمعات المستقرة يتحقق الحراك بين الطبقات و الفئات الاجتماعية على شكل ترشيح بطئ يمكّن الطبقة المستضيفة من هضم القادمِ الجديد. لكن بسبب فوضى السياسات الاقتصادية الفوقية، في المجتمعات غير المستقرة و الشمولية يتم هذا الحراكُ بسرعة، على نطاق اوسع و بدون آليات الضبط الاجتماعي التلقائية، ما يجعل اموالا طائلة و نفوذاً تنهال بسرعة و بدون استحقاق معرفي أو مهني على شرائح اجتماعية دون القدرة على هضمها سلوكيا و يكون هذا الحراك من السعة و القوة بحيث لا يتوفر الوقت لكي يتعلم الوافدون الجدد قواعد الذوق و السلوك الملائمة، يدخل ضمن هذا ترييف المدينة و إلغاء هويتها باعتبارها تجسيدا اجتماعيا، جماليا و سلوكيا للطبقة الوسطى حين ينهال عليها وافدون لا يستطيعون فورا استيعاب السلوك المديني الجمعي. يظهر هذا في مجال الذوق العام و الموقف من شكل العمارة، الفن التشكيلي، الموسيقى و الغناء، الملابس و المسرح على شكل رثاثة. 
تعني المدينة أن يتخلى المرء عن جزء من حريته الشخصية لصالح النظام العام طوعا قبل كل شيء. نظام المرور هو احد هذه الاشكال. في فضاءات الريف المفتوح يتحرك الانسان بنفسه او بسيارته في اي اتجاه يريد و يقف حيثما يريد. و حين ينتقل للمدينة يحاول أن ينقل اليها نفس السلوك. و حينئذ يأتي دور الانظمة و القوانين. فالانظمة و القوانين تعبر عنها نفسها من خلال شرطي المرور كجهاز تنفيذي. و لكن ماذا لو أن شرطي المرور هو نفسه وليد نفس البيئة و يستخف بالقواعد و يتساهل مع الذين يخرقونها بدوافع مناطقية عشائرية؟
الجمال هو علاقة
الرثاثة في مجال الذوق هي أن يكون الشيء في غير محله، فلا لون يكون جميلا بشكل مطلق انما يكون جميلا في تجاوراته. 
و تشكل الاشكال الانتقائية و المزاوجات غير المتوافقة رثاثة السلوك و التذوق. و تشهد الخارطة الاجتماعية رثاثة تزيد و تقل عند التحولات الاجتماعية الحادة، الثورات و الانقلابات و صعود طبقات جديدة الى مراكز القرار. 
و من الخطأ اعتبار أن الفقراء و الاقوام البدائية منتجين للرثاثة، العكس تماما نتاجاتهم الفنية غير خاضعة لاعتبارات السوق أو المداهنة و هي صادقة تماما لانها تعبر عن دواخلهم أو انها موروث لاجيال متعاقبة قام على أساس الصدق و تلبية للنداء الداخلي. كان منعم فرات واحدا من اجمل النحاتين الفطريين و لقيت اعماله شيوعا و استحسانا بين الفنانين و المقتنين العراقيين و الأجانب.
محدثي النعمة
في تسعينات القرن الماضي عرض التلفزيون العراقي مسلسلا من تأليف الكاتب المصري أسامة أنور عكاشة. ادهش عكاشة الجمهور آنذاك، بما في ذلك جمهور المثقفين، بتحديثه للدراما المصرية بأن اضفى عليها بعدا سوسيولوجيا. اسم المسلسل "الراية البيضا".
قصة المسلسل تقوم على أن دبلوماسيا سابقا يسكن بيتا اشترته لاحقا تاجرة سمك (فضة المعداوي) هبطت عليها الثروة فجأة و تنوي تهديمه و اقامة عمارة بدلا عنه، لكن البيت احتوى على لوحات ذات قيمة تاريخية رسمت على الجدران بطريقة الفريسكو، و إزالة البيت تعني ازالة الاعمال الفنية. من هنا ينشأ صراع بين ساكن البيت، الدبلوماسي السابق، و المالكة الجديدة، يحاول فيها الأول جعل البيت تحت الحماية باعتباره تراثيا. و اثناء الصراع بين الطرفين يحصل كل منها على دعمٍ ما، فيصطفَّ إلى جانب أحد الطرفين محامون و موظفون حكوميون، نزيهون أو فاسدون، شرفاء أو سفلة، صادقون أو انتهازيون، أو اناس بسطاء تعاطفوا مع هذا الطرف أو ذاك بدوافع مختلفة. 
في نهاية المسلسل تحصل المالكة الجديدة على أمر بالازالة، و تسير الجرافات للاطاحة بالبيت فيما لا يجد الدبلوماسي إلا أن يقف هو و انصارُه صفاً يحولون بين الجرافات و البيت، و ينتهي المسلسل بتقريب العدسة و التركيز على الضوء البرتقالي الوامض لاحدى الجرافات تاركا لنا أن نستنتج : أن البيت قد هُدّ فعلا دون أن يرينا ذلك. 
و لكن قبل أن ينهي عكاشة المسلسل يترك احد العاملين البسطاء لدى السيدة التاجرة ينحاز الى صف مجموعة الدبلوماسي السابق تاركا صفوف انصار المالكة الجديدة. لم يكن اسامة انور عكاشة بمعية المخرج محمد فاضل، من النوع الذي يظهر حدثا دون قصد و دراية و دون تحميله رمزا ما.
اثناء عرض المسلسل و بعد انتهاءه جرت نقاشات حول مضامينه بين مثقفين التقوا بانتظام، الملفت فيها، أن مثقفا عقائديا ندد بالمسلسل و رأى أنه انحاز للاثرياء و جعل الفقراء يزدرون الاعمال الفنية. كانت كتابات هذا المثقف تدور في الغالب على محور الاثرياء الشريرين مقابل الفقراء النبلاء. 
رماديةٌ كلُّ النظريات ياصديقي (غوته)
ليس من باب العيب أن لا يلتفت الكادح المعني بإطعام عائلته للاعمال الفنية، فالغذاء و الملبس و الحاجات المادية عموما تتقدم في سلم الأولويات لدى الانسان على المنجز الابداعي، و حين يوفر الإنسان احتياجاته الاساسية يرنو الى القيم الجمالية، فيضفي بعدا آخر على وجوده الاجتماعي. و لكن المسلسل لم يتحدث عن الفقر، فصاحبة البيت الجديد كانت ثرية جدا، بل تحدث عن محدثي النعمة الذين، و كما ذكرت في صدر المقال، تهبط عليهم الثروة فيتصرفون بخراقة و يكون تحت تصرفهم، كما في مجالات مقاولات البناء مثلا، جيشٌ من التكنوقراط كالمهندسين و المحاسبين يعاملونهم بطريقة بدائية.
الحصول على المال فجأة دون مقدمات فكرية كافية لتقرير طرق انفاقه ينتج إذن نوعا من الرثاثة. هذا النوع من الرثاثة يسيّر الانسان نحو الاحتياجات المادية المباشرة دون اكتراث للقيم الجمالية و للتراث الابداعي مثلا، أو أنه يؤدي الى الالتفات الى الهابط منها، و بذا فإن الهابط من الاعمال الابداعية له تبرير اجتماعي، و لكن هذا لا يجعله مبرراً نقديا، و كما حصل في مثال فضة المعداوي في مسلسل اسامة انور عكاشة فإن عمارة متعددة الطوابق تدر ربحا يستحق العناء اكثر من كل نتاجات الابداع، اما اذا انتهت من بناء العمارة و استقرت فلربما تفكر بتزيين ممراتها بلوحات على غرار صورة بنت المعيدي. 
هنا نجد أن الكاتب عكاشة لم تُسيّره الايديولوجية في كتابته للنص، بل سيرته تجربته الحسية، ما سمعه و رآه و عاشه، في حين نجد أن كاتبنا الايديولوجي سابقَ الذكر مشبعٌ بجدول طبقي مسبق يجد أن عليه أن يحشو فيه نماذجه الاجتماعية التجريدية المقطوعة عن الحياة. 
كُتّابُ مصر هم في الغالب خريجو مدرسة الحياة، الكتاب العراقيون هم في الغالب خريجو المدارس الايديولوجية.
الرثاثة و الحداثة
الرثاثة تتواجد أيضا حيثما لا يصار إلى تحديث المعايير الجمالية و طرق الرؤية و التذوق بانتظام. تتابعُ العصور يقترح تتابعاً تحديثيا للمعايير الجمالية و طرق الرؤية و التذوق. و ينتج التمسك بالقديم البالي و رفض تحديث طرق التذوق رثاثةً. واجه المحدِّثون لطرق التعبير التشكيلي و الموسيقي مثلا، استنكارا و عداءا من قبل المحافظين (صراع موتزارت مع سالييري، موقف الصالون الرسمي في فرنسا من الفنانين الانطباعيين... الخ). 
لكن الجماليات و اصالتها لها علاقة بمجمل التطور التاريخي و بالفئات و الطبقات الاجتماعية الحاملة لها، عدا ذلك فإن النسق الجمالي و متطلبات تغييره هي بذاتها ذات طابع اجتماعي اوسع نطاقا و أكثر عدلا بل هي حافز له. فمفهوم عالم اكثر جمالا يرتبط بمفهوم عالم اكثر عدلا. أسوق اليكم ادناه مقتبس من نصٍ منشور لي:
"تغييرُ وسائلِ و طرق التعبير عن جمالياتِ عصرٍ ما تكشف محدوديةَ رؤيتنا القديمة على كافة المستويات و تستدعي نطاقا أوسع من التغيير من اجل أن تحققَ ذاتَها، إنها تستدعي تغييرا اجتماعيا، إنها لا تكتفي بتغيير رؤيتنا فتحذف من مفضلاتنا الأجسادَ المكتنزة المرتمية على قماشة لوحة الرسم أو الموصوفةَ على ورق الرواية مثلا، بل تحذف كامل النسق الفكري و الاجتماعي الملازم لهذه الرؤية و تخلخل مشروطياتها. فهي، إذ تخلق عالما كاملا من البدائل الجمالية، فإنها في الوقت نفسه تخلق منظومة فكرية ملازمة تتجاوز نقطة الانطلاق، أي نطاقَ الجمال، الى العدالة و الانسجام".
لكي تحقق المعايير الجمالية الجديدة و طرق التذوق، باعتبارها جزءا من البناء الفوقي، السيادة على الاشكال الأخرى المجاورة و المعارضة، فإنها تحتاج إلى وقت اطول قياسا بالانتصارات السياسية. الثورة البرجوازية الفرنسية عام 1789 شكلت نموذجا كلاسيكيا، فسيادة ذوق الطبقة السائدة الجديدة (برجوازية المدن) قد احتاج فترة طويلة نسبيا ليحقق السيادة على ذوق طبقة النبلاء التي تم إقصاؤها. فبُعيد منتصف القرن التاسع عشر نشأت و تطورت المدرسة الانطباعية حاملةً خصائص غير مألوفة في الفن التشكيلي و وسمت بميسمها و بقدر و آخر كافة اشكال النشاطات الابداعية و طرق التذوق. كانت حرية الاسلوب و التخلي عن الصرامة تعبيرا عن التوق للحرية و الثقة بالنفس لدى الطبقة الجديدة.
و بين هذا و ذاك، أي بين غروب اشكال التعبير الجمالية المقصية و نضوج الاشكال البديلة لها، تنشأ مرحلة انتقالية يكون فيها للرثاثة دور كبير.
الرثاثة عراقيا
شهد العراق ربما أكثر من اي بلد آخر فوضى اجتماعية و سياسية جعلته يعيد انتاج الرثاثة باستمرار، فتجلت في كافة مجالات الذوق وطرق السلوك. تظهر اول ما تظهر في الازياء باعتبارها الشكل الاكثر و الاسرع ظهورا، و اذا ما كانت الازياء الاصيلة كالعقال و الملابس العربية، كما درجت التسمية، في محلها و في بيئتها جديرة بالاحترام ككل الازياء التي تمثل وسطا اجتماعيا معينا، فإن اعادة الاعتبار للعشائر و تقديمها حتى على مؤسسات الدولة اعتبارا من تسعينات القرن الماضي قد اشاع هذا النوع من الازياء و جعله سائدا و اكثرَ مدعاةً للهيبة من الملابس "الفرنجية" التي لبسها الافندية و كان هذا تمظهرا للتملق الاجتماعي الذي مارسته السلطة في سعيها للبقاء. 
شهدت هذه المرحلة انحسار المثقف و التكنوقراط مقابل و جوه اجتماعية كانت حتى ذلك الحين في الظل. و تصاحب ذلك مع سياسة اقتصادية، و خصوصا في زمن الحصار، عمدت الى شراء المحاصيل الزراعية بمبالغ غير معقولة من قبل الدولة مثل الرز.
كان النموذج الاجتماعي للمعلم أو الموظف العراقي حتى ذلك الحين هو السائد ليس من حيث العدد و لكن من حيث مقدار الاحترام و الهيبة المرتبطة ليس فقط بالمداخيل الاقتصادية و لكن ايضا بالمعارف و المستوى الثقافي و الحكمة، و كان الموظفون و المعلمون و مجموع التكنوقراط هم البديل الاجتماعي لرجال الدين و قادة العشائر الذين سادوا في بداية تأسيس الدولة العراقية.
و بما أن اعادة الظاهرة قسريا خارج شروطها التاريخية هو نوع من الكاريكاتير الهزيل، فإن اعادة العلاقات العشائرية اطلق شحنة هائلة من الرثاثة. لا تزال ظاهرة المشهد القبلي قائمة حتى الآن و لنفس الدوافع، نزوع رأس السلطة إلى البقاء بأي ثمن، إلا أن تعديلات معينة دخلت عليها مؤخرا، فقد جاورها لباس رجال الدين حلفاء القادة القبليين و الاقطاعيين، و بات هذان الزيان هما الاكثر مجلبة للهيبة و تقديم الاحترام بغض النظر عن تفاهة المحتوى الداخلي.
العمارة
بالارتباط مع ما ذكرناه من حراك اجتماعي مشوه، قامت عمارة الدور السكنية منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى اليوم على اقصاء ذوق الطبقة الوسطى و التكنوقراط من ذوي الرسوخ الثقافي من الذين امتازت دورهم بالبساطة و الوظيفية و سيادة الألوان المتناغمة، مقابل نشوء بديلها، الدور ذات البهرج اللوني، و تعقدت بنية الداخل و الخارج و تداخلت الاشكال الهندسية بشكل عشوائي و اصبحت خوارج البيوت تخدش الانسجام الجمالي للمدينة و لم تعد البيوت موجهة نحو الداخل (وظيفيا) و انما موجهة نحو الخارج عدوانيا من اجل القاء اكبر مقدار من الخوف و الرهبة و اثارة الانطباع بالسطوة في مجتمع بات يقوم على الخوف و الابتزاز الاجتماعي بدلا من الاحترام و التعايش المشترك. طراز بيوت الطبقة الوسطى من المثقفين كانت تدعوك اليها و تثير فيك حنينا للالفة و المودة. بيوت المنعّمين الجدد تثير فيك الريبة و النفور. 
جُسّدت بيوت الطبقة الوسطى و نمط حياتهم تشكيليا و بشكل رئيسي على يد فنانين كلاهما طبيب: خالد القصاب و نوري مصطفى بهجت، فعلى غرار بونار سردت لوحات القصاب غالبا قصة قصيرة: طارمة البيت و في خلفيتها حديقة منزلية و قد نصبت فيها طاولة عليها صحون لشخص او اشخاص أفطروا، فنجان قهوة و صحيفة قرأت على الطاولة. 
كانت الخمسينات و الستينات ذروة نشاط المصرف العقاري العراقي، فقد مول بناء البيوت، فبنيت الآلاف من البيوت السكنية التي سادت حتى سبعينات القرن الماضي و التي مثلت الانفتاح الاجتماعي، فيما سادت بعدها البيوت ذات طابع محافظ و تشكيكي، حين يكون الضيوف معزولين تماما عن البيت في جناح خاص و لهم خدمات مستقلة، و بات الدار فضاءا لاستقبال ضيوف لا يجمعهم بساكن البيت اي علاقة فكرية او رابطة اجتماعية و انما المصالح النفعية.
و في سنوات ما بعد حرب 2003 مكّن الفساد و المداخيل غير المشروعة قبل كل شيء من بناء بيوت غاية في الضخامة، غامضة، تستر اكثر مما تشي و تقلصت الحدائق و اصبحت الاسيجة جدرانا عالية تشبه ما في القلاع. و بالارتباط مع الكسب غير المشروع لم ينسَ اصحاب هذه البيوت رفع لافتة من الرخام في مكان بارز و قد نُقش عليها "هذا من فضل ربي".
هنا نتحدث عن الطابع السائد و ليس عن الاستثناءات.
و على صعيد رسمي تم منذ ثمانيات القرن الماضي تصميم العديد من النصب ذات الشخصية النُصبية الباذخة (monumental) مثل نصب الجندي المجهول الجديد الذي ألغى نصب الجندي المجهول السابق. ففيما اتسم النصب المُزال بالمزواجة بين القدرة التعبيرية و البساطة و الارتباط بالفضاء المحيط، أشر الثاني الى السطوة و الترهيب و العزلة.
نُصُبُ العهد الجديد (بعد 2003) و التي تناثرت على مدن العراق مثلت قدرا غير مسبوق من الرثاثة و الانحطاط و كانت مرتبطة بالفساد و تدني الذوق اكثر مما مثلت محاولة لتجميل عيشنا و مدننا. 
في مجال الذوق الرسمي كان استبدال النصبية بالرثاثة هو قدر العراقيين، فالاسلامويون كرجال دين أو سياسيين يدورون في فلكهم لا ينتجون سوى الرثاثة، لان هؤلاء يعيشون على الماضي، منقطعين عن الحداثة و هم عدا ذلك غير معنيين بالجمال. فرجال الدين و ممثلو الاسلام السياسي لا يفكرون طبعا بزيارة المتاحف أو قاعات الفن التشكيلي او العروض المسرحية. و اذا ما كانت الكنيسة قد وائمت نفسها مع الابداع و صدحت فيها موسيقى رفيعة المستوى و نظمت فيها معارض فن تشكيلي .. الخ، فإن اشكال الفنون، ناهيك عن الموسيقى لا يمكن تصورها كجزء من طقوس العبادات و ليس موضع اهتمام رجال الدين المسلمين.
عمارة المدن
قام الحكم الشمولي السابق بمحق هوية المدن و حوّلها الى نسخ متشابهة، فقد تطورت المدن تاريخيا حسب البيئة و الوسط الاجتماعي و احتفظت حتى ذلك الحين بشخصيتها التي تميزها، و انطوى تطورها على قدر كبير من العفوية و اقل ما يمكن من التدخل المركزي للدولة. و في التطور اللاحق منذ سبعينات القرن الماضي لم يولَ ايُّ احترامٍ للملامح الخاصة بكل مدينة و بسماتها و بناياتها التاريخية انما تم محوها و بدت العملية كمحاولة للقول ان التاريخ الحقيقي قد بدأ بمجيء الدكتاتور و هذا هو اقصى التمظهرات الشمولية، و بهذا باتت المدن متشابهة الملامح و اصحبت تكراراً مملا.
و في تطور لاحق تقلصت المساحات الخضراء و ازيلت لصالح السيارات التي اُغرقت بها المدن و لا تزال، و تحولت الجزرات الوسطية التي كانت حتى ذلك الحين حدائق مزهرة، خُصص لها مستخدم يعني بترتيبها و تشذيبها الى عقبات تعرقل سعي المواطن الساعي بين هذا الجانب و ذاك من الشارع.
و اشترك النظامان الحالي و السابق في معاداة المساحات الخضراء و لاسباب امنية خصوصا و قام كلاهما بازالة بساتين مثمرة و منتجة شكلت متنفسا للمدن و القرى و ملجأً للحيوانات و الطيور المهاجرة و مصدرا للتأمل الروحي.
رثاثة المثقف و الرثاثة السياسية
على خلاف المثقف الاوربي الذي قاد دخول اوربا عصر التنوير و الخلاص من هيمنة الكنيسة او حافظ على دوره النقدي، كان العراقي المثقف في الأعم الإغلب فاقدا للاستقلالية، فكان تارة خاضعا للاحزاب الشمولية أو مدّاحا للقادة الشموليين ثم تحول الى طائفي ظلامي يبرر افعال السلطة أو خصومها مقابل مغانم مادية و بات وريثا للشعراء المداحين الواقفين على ابواب الخليفة.
حين يدافع المثقف عن نظام سياسي قمعي و ظالم بسبب انتماءه السياسي له، حين يكون المثقف في صف النظام الطائفي و مداحا للاحزاب الدينية بسبب انتماءه الطائفي، حين يخلص المثقف لانتهازيته و يسعى الى مدح أو قدح هذا او ذاك مقابل منافع مادية، حينها يصبح رثا و يكون نتاجه رثا، و هذا اشد انواع الرثاثة ضررا، هذا النوع من الرثاثة مضلل يقود الناس على الطريق الخطأ و يحرض على الكراهية و العنف.
اما ما يخص الطبقة السياسية فقد قوضت استقلالية المثقف و ما يفترض موقفه النقدي مقابل التدجين و التبعية و عمل السياسيون على جعل الثقافة تابعا ذليلا للخطاب السياسي الحكومي و المعارض على حد سواء و اضطهد المثقف المستقل الناقد لصالح "المثقف" المداح.
الفن التشكيلي، المسرح، الادب
هذه الفنون زائدا الشعر و القصة القصيرة هي ذات تقاليد و منجزات راسخة في العراق. و حيثما كان الفن فرديا كان اكثر تملصا من السلطات الشمولية و لكنه لم يكن تماما بمنجى منها، و بالرغم من أن الفن التشكيلي العراقي تميز بخصائص متفردة عكست الشخصية العراقية المستفزة، ذات التفرد العالي، فإن مؤسسات اخرى ذات تأثير غير مباشر لعبت دورا في اتجاهات معينة في الفن التشكيلي، فقاعات العرض حتى عام 1985 كانت حصرا قاعات حكومية حتى تأسست قاعة الاورفلي كأول قاعة عرض اهلية و في اعوام التسعينات تم السماح بتأسيس قاعات عرض اهلية و مستقلة لعبت دورا كبيرا في تسويق اعمال الفنانين العراقيين.
و بسيادة قاعات العرض الحكومية المدارة من قبل الدولة و ليس سوق الفن الحر، كرست الكثير من المعارض لاغراض تعبوية و جرت محاولات لالحاق الفن بعجلة السياسة فسقطت الكثير من الاعمال الفنية في البوسترية المباشرة، لم تكن السلطة وحدها تتجه الى تعبوية الفن فقد شاركها في ذلك احزاب معارضة حاولت تنظيم معارض في المناسبات السياسية فقط.
دخل الفن التشكيلي سوق البيع و الشراء بقوة في عقدي الثمانينات و التسعينات، و قد لعبت عوامل كثير دورا في تعزيز هذه الظاهرة منها التضخم النقدي ما جعل اسعار اللوحات منخفضة و كذلك العشرات و المئات من الشركات الاجنبية العاملة في العراق، و التي اشترت بسخاء، و لكن قبل هذين العاملين كانت الطبقة الوسطى العراقية لا تزال بخير و قد شهدت قاعات العرض و القاعات الحكومية عروضا فنية غاية في النضج زارها جمهور رفيع.
و الى جانب النتاجات الفنية الرفيعة و بسبب السوق ظهرت نتاجات موازية لم ترق الى مستوى سمعة الفن التشكيلي العراقي و كان بعضها يغازل نوازع النوستالجيا لدى العراقيين المغتربين دون ملامح اسلوبية مميزة، و كان ان انتجت اعمال فنية ذات مستوى هابط و لكنها لم تمثل التيار الطاغي للفن التشكيلي العراقي .
تبقى اللوحة و زيارة القاعات الفنية أمورا نخبوية و ليست جماهيرية كما الاغنية مثلا و بحكم طبيعة اللوحة فأن امكانية الاطلاع عليها على خلاف النتاجات ذات الطابع الجماهيري محدودة جدا.
قدم المسرح العراقي اعظم المنجزات في الثلاثة عقودٍ الاخيرة من القرن الماضي مثل: دزدمونه، بغداد الازل، البيك و السائق، النخلة و الجيران، حفلة سمر من اجل 5 حزيران، انا مع من و ضد من، الذي ظل في هذيانه يقضا، العلبة الحجرية، الشريعة... الخ و لمعت اسماء مثل: يوسف الصائغ، محي الدين زنكنه، جليل القيسي، ابراهيم جلال، قاسم محمد، جاسم العبودي، خليل شوقي، يوسف العاني، ناهدة الرماح، زينب، ازادوهي صامويل، روميو يوسف، فاروق فياض، ناجي عبد الامير، عادل كوركيس، عوني كرومي، عزيز خيون... الخ حيث حصدوا جوائز عراقية و عربية مثل جائزة احسن نص مسرحي أو احسن عمل مسرحي.
و لكن عقد التسعينات شهد إلى جانب الاعمال الجادة الرفيعة اعمالا هابطة تحولت الى مسرحيات للتهريج و الغناء و الرقص الهابط اقحمت تعسفيا لاجل الترفية و الكسب المادي و كانت رثة بمعنى الكلمة و لكن الغلبة بقيت للاعمال المسرحية الرفيعة رغم ان كلا المسرحين كان له رواده.
و فيما بعد عام 2003 لم يعد وجود للمسرح العراقي ذي التقاليد الراسخة، فقد رحل عن عالمنا الكثير من اعمدة المسرح دون ان يتصدى جيل جديد لحمل الراية و بات العمل المسرحي في عالم الارهاب و العنف و الميليشيات و الحكم الثيوقراطي محفوفا بالمخاطر خصوصا و ان العمل المسرحي مرتبط اشد الارتباط بحرية التعبير.
كان للشعر الى جانب القصة القصيرة و لا يزال قصب السبق في مجال الادب. و رغم ان الرواية ليست ذات تقاليد راسخة في العراق مقارنة مع مصر حيث العراقيون ميالون لاشكال الابداع القصيرة و الوامضة بسبب الافتقار الى المؤسسات و انعدام الاستقرار و الخوف من التخطيط طويل الأمد، فقد حققت العديد من الروايات و القصص نجاحا ملحوظا و حصدت العديد من الجوائز، و الى جانب الاسماء المعروفة في مجال الرواية مثل التكرلي و لطفية الدليمي و غيرهما فقد ظهرت اسماء جديدة ملفتة مثل برهان شاوي، دنى غالي و احمد سعداوي.
و بما اننا بصدد الرثاثة فإن علينا ان نشير الى أن الشعر هو الذي انتج بشكل متواز ارفع النتاجات الشعرية الى جانب قدر كثير من الرثاثة، فالشعر يكاد يكون متاحا للجميع.

من الحوار المتمدن